عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

114

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الملك الجبار ، لا إله إلا أنت ، فأطاعت لما جاعت ، أو كما جاء » « 1 » . اعلم أن تزكية النفس واجبة على كل مسلم ومسلمة لقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشمس : 9 ، 10 ] . والواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه ولا تظنن أن تزكية النفس تتيسر بطريق العقل كما ظنت الفلاسفة والبراهمة وغيرهم من الجهال شرعوا في تزكية نفوسهم بالرياضات والمجاهدات على العميان فوقعوا في الشبهات والآفات والضلالات ، فإن تزكية النفوس كمعالجة الأبدان وكما لا يجوز للمريض استعمال الأدوية برأيه إلا بنظر طبيب حاذق ذي تجربة في المعالجة ، كذلك تزكية النفس لا يتيسر إلا بنظر نبي أو ولي ذي تجربة في هذا الشأن . وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء - عليهم السلام - فإنهم الحذاق في علم تزكية النفوس ، ولهذا بعثهم اللّه تعالى ليزكوا بعلاج الشرائع نفوس الأمم ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ الجمعة : 2 ] الآية . فأما تزكية النفس الأمارة ففي إزالة الصفة الإمارية عنها ، وكذلك إزالة الصفات السبع التي مر ذكرها عنها وتحليتها بأضدادها من الصفات القلبية . فإن العلاج بالأضداد . واعلم أن صحة النفس وحياتها في استيلاء هذه الصفات السبع وما يتولد منها ومرض القلب وموته فيها وصحة القلب وحياته في إزالة هذه الصفات السبع واستيلاء صفات هي أضدادها وفيها مرض النفس وموتها ، فأما الصفات السبع التي من صفات النفس ؛ أولها الكبر فيعالج بالتواضع ، كما نبينه إن شاء اللّه تعالى . الفصل الثالث في صفة الكبر وعلاجها بالتواضع قال اللّه تعالى : أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » « 2 » فقال رجل : يا رسول اللّه ، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، قال : « إن اللّه جميل يحب الجمال . الكبر : من بطر الحق وغمط الناس » « 2 » .

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان ، باب تحريم الكبر ، حديث رقم ( 147 - 91 ) . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب البر والصلة ، حديث رقم ( 1999 ) ورواه غيرهما .